من غرنيكا إلى حمص… ومن إسبانيا إلى سورية: حكاية حربين وصمتٍ دولي واحد
تتشابك الذاكرة الإنسانية حين
تتقاطع المآسي، وتبدو الحروب وكأنها تعيد إنتاج ذاتها في أماكن مختلفة وزمن مختلف.
من غرنيكا
الإسبانية التي قُصفت عام 1937، إلى حمص التي تحولت إلى ركام بعد حصار وقصف دام سنوات،
تتكرر الحكاية ذاتها: شعب يطالب بالحرية، ونظام مستبد يواجهه بالحديد والنار،
وعالم يراقب بصمت.
أغنية… وملصق…
وطفل ميت تحت القصف
في عام 1998، أصدرت فرقة الروك
الويلزية Manic Street Preachers أغنيتها
الشهيرة If you tolerate this, your children will be next، المستوحاة من الحرب الأهلية الإسبانية. عنوان
الأغنية مأخوذ من ملصق جمهوري يظهر فيه طفل ميت تحت طائرات فرانكو، وتحته العبارة: “إذا عفوتَ عن
هذا، فسيكون أطفالك هم التالين.”
لم يكن ذلك مجرد تحذير؛ فقد انتهت
الحرب الأهلية الإسبانية بانتصار فرانكو، لتندلع بعدها الحرب العالمية الثانية
التي حصدت أرواح الملايين، بينهم آلاف الأطفال.
من ويلز إلى
إسبانيا… ومن حمص إلى العالم
في الأغنية أيضاً جملة صادمة: “If I can shoot rabbits, then I can shoot fascists.”
قالها مراهق ويلزي غادر بلاده للقتال ضد الفاشية. كان ذلك زمنًا تحوّل فيه دعاة
السلام إلى مقاتلين، بعدما رأوا جثث الأطفال تتكدس أمامهم.
وهذا ما حدث في سورية أيضاً. تحوّل شباب خرجوا في مظاهرات سلمية
إلى مقاتلين، ثم إلى “متطرفين” كما وصفتهم وسائل الإعلام الدولية، بعدما شاهدوا
صور الأطفال تحت الأنقاض، تُنشر كل يوم على شاشات الهواتف.
الصور التي
فجّرت الغضب
في عصر الإنترنت، لم يعد الملصق
الورقي هو المحرّض. بل أصبحت
الصورة الرقمية، التي تصل إلى كل هاتف، أقوى بمئات المرات. صور
الأطفال الممزقين والمحرّقين في سورية كانت كافية لدفع آلاف الشباب حول العالم إلى
الشعور بأن عليهم “فعل شيء”، في ظل صمت دولي خانق.
تشابهات سياسية…
ودعم خارجي يعيد التاريخ
كما تلقى فرانكو دعماً من إيطاليا
الفاشية وألمانيا النازية، تلقى النظام السوري دعماً من:
·
إيران
·
حزب
الله
·
روسيا
وكما اكتفت بريطانيا وفرنسا
والولايات المتحدة في الثلاثينيات بالمراقبة، اكتفى العالم اليوم بالتصريحات
والبيانات، بينما كانت المجازر تتكرر.
من غرنيكا إلى
حمص… لوحة واحدة بألوان مختلفة
لوحة بيكاسو
“غرنيكا” التي
صوّرت مدينة باسكية مدمرة، تشبه إلى حد بعيد صور حمص القديمة وبابا عمرو
والخالدية. الدمار واحد، والضحايا واحد،
والقاتل واحد: الاستبداد حين يتحالف مع القوة العسكرية.
أورويل… وسورية
التي تشبه كتالونيا
الكاتب البريطاني جورج أورويل
ذهب إلى إسبانيا ليقاتل الفاشية، ثم كتب كتابه الشهير “تحية
إلى كتالونيا”.
أورويل لم يكن يقاتل من أجل إسبانيا فقط، بل من أجل فكرة الحرية
نفسها.
اليوم، يتساءل كثيرون: ما الذي يمنع الأحرار والديمقراطيين
حول العالم من الوقوف مع السوريين كما وقف أورويل مع الإسبان؟
ثورة تحوّلت إلى
حرب… ومعارضة شوهتها الجماعات المتطرفة
كما اختُطفت الثورة الإسبانية من
قبل قوى متطرفة، اختُطفت الثورة السورية أيضاً:
·
جماعات
إرهابية
·
تدخلات
إقليمية
·
مصالح
دولية
·
دعاية
النظام التي جعلته “أهون الشرين” في نظر العالم
لكن الحقيقة تبقى: الشعب السوري خرج من أجل الحرية
والعدالة، لا من أجل الحرب.
مستقبل لا يشبه
الماضي
رغم كل شيء، هناك فارق جوهري بين
التجربتين: نظام
الأسد لن يستعيد مكانته أبداً. فقد
فقد شرعيته أمام شعبه والعالم، مهما طال الزمن.
خاتمة… بين
الدعاء والغضب
يكتب الكاتب في نهاية النص، وهو
ينظر إلى صور سورية خلال عشر سنوات: “ما دمت أستطيع
أن أطلق النار على الأرانب، يمكنني إطلاق النار على الأسد.” جملة
رمزية تعبّر عن الغضب، وعن سؤال كبير: ما
الذي يمنع الأحرار من الوقوف إلى جانب السوريين؟
اترك ردًا
Your email address will not be published. Required fields are marked *







